الأحد، 12 مايو 2019

العودة بالأمجاد


رمضان يملئ قلوبكم، واجواء الربيع تُمتّعُكم بكُل سعادة يارب.
عُدت للكِتابة هذة المرّة في أكثر فترةٍ من السنة مليئةٍ بالجمال. مر أول أُسبوع من رمضان الساحر، مايو شهرُ ميلادي، وتجرِبةٍ جديدةٍ تماماً عليّ، وعلى المُدوّنة أيضاً. 
حيث أني أؤمن بالتغيير وبتطوّر الوعي والخبرات، قررتُ أن أتحدى نفسي بشيئٍ حلِمتُ بهِ مُنذ مُراهقتي، لكني لم أجرُء على القيام به، ألا وهو التحدث أمام الجمهور. ليس الخوف ما كان يمنعُني، لكنّي أردتُ إن وقفتُ يوماً اما جُمهور أعطاني أُذُنه، أن أقول ما أُريد أن أسمعُهُ إن كُنت في مقاعِدهم. أردت أن أتحدث بعد خِبرةٍ وتجرِبةٍ حقيقيّة فيما سأطرحُه، وليس لمُجرّد الدردشة.
وبعد مايُقارب من أربع سنوات حقيقيّة في مجال عملي كمُختص نفسي، كانت الثمرة الصغيرة الأُلى: ورشة بعنون "مبادِئ التأمُل" .
كانت يوم الجُمعة الثالث من مايو الماضي قبل رمضان بثلاثة أيام. وبحضور مايُقارب خمسةٍ وسبعون شخصاً.. كان قلبي سعيد للغاية أني فعلتُها أخيراً، لكنه في حالة عجائِبيّة من الراحة والقبول كأني كنت أفعل ذلك كُل يوم. الفكرة ليست في الأداء الخرافي.. لا أقصِد ذلك. إنما أعني مشاعِر الراحة والإنسِجام الغريب مع حدث أفعلُه للمرّة الاولى في حياتي، رُغم كل ماسمِعتُ عنه من رهبة، لكني أستمتعتُ به. مُدهش أليس كذالك؟



بيني وبين التأمُل علاقة خاصة جِداً. أؤمِن انه طريقُ الإنسان لقلبِه وعقلِه وحتى ربه. في التأمُل نستطيعُ سماع الصوت الخافِت الكامِن في قُلوبِنا بخجل، أن تسمع فِطرتك تُدلي بِرأيها بِهدوء.. بِعكس صوتِ العقل الذي يتحدثُ بشموخٍ وبضوضاء كُلُها كِبرياء وجُموح بلا روح.
أحببتُ ان تكون ورشتي الأولى عن هذا الشيئ السحريّ الذي غير حياتي خلال الأربع سنواتٍ الماضية ومازال يسحَرُني.
أشكر مدوّنتي التي سمحت لي طول الخمس سنين الماضية من عُمرها -ولدت في رمضان سنة 2014- أن أتعمّق واقرأ وابحث وأُترجِم بحُريّة تامة، اكتب ما أُريد وقتما أُحب بلا شروط. وكُلما عُدت وقرأت ماوضعته فيها أشعر بسعادة غامرة، رُغم بساطتها إلأ أنها تعني لي الكثير من الذكريات والقيم والجمال. وسعادتني على تخطّي أصعب الفترات في حياتي.
شكراً لكُل قارئ تصفّح يوماً ماوُضع هُنا، أتمنى أن تجد ماتُريد في حياتك، وأن تنطلق في حُلمك ورسالتك بكل يُسر.


الاثنين، 17 ديسمبر 2018

العودة للروح بِبُطئ





لم أتخيل يوماً أن أغيب عن الكِتابة شهراً واحداً، عِوضاً عن شهور، حتى الفصول تمُرّ عليّ بِبساطة دون أن اكتب شيئاً يُذكر.
أُحب عملي لكنه يأكل وقتي بصورة لم اتخيلها من قبل .. 
لكن مع إنكسار الحرارة في القاهِرة، قُمت بتجرِبة المركِب الشِراعي في نهر النيل للمرة الأولى في حياتي، وكانت رائعة ورومانسية الى حدٍ كبير، حيث لا مُحرّك بصوتٍ مُزعج ولا رائحة عادِم مُحترق تخنقك، فقط الهواء النقي البعيد عن الضِفّة، والهدوء الرقيق الذي تفتقِده في العاصِمة المجنونة. تجرِبة لطيفة تفصِلُك عن الواقع وتُعيد شحن بطاريّتك الطاقيّة.

إنتهى الصيف والخريف، وبدأ الشتاء بقوّة عكس العام الماضي. الجو بارد ومليئ بالأمطار والهواء الحاد ذو الحرارة المُنخفِضة. اتعرض مُنذ بداية الأسبوع لأول إنفلونزا في سنة 2018 وكأنها تُخبِرُني أن أنفِض كل ما أحمِلُه في قلبي قبل العام الجديد، لتكون بداية مُباركة ونظيفة.
زاد معدل رغبتي في السكون والهدوء والإنكماش على نفسي قليلاً لأترُك لها المجال لتتحدث وتُحرر مافي قلبي وعقلي.
اسأل نفسي هذة الأيام الكثير من الاسئلة العجيبة:
هل العمل الذي أخترتُه هو حقاً ما أُريد فعله لبقية حياتي؟ هل أُحبه بصدق أم انني لم أُجرّب شيئ أخر لأعلم الفرق؟
هل هناك حقاً وظائف يمكننا العيش فيها طوال الحياة بسعادة وتجديد؟ كيف أعلم ان شغفي لن يتغيّر بعد خمسة أو عشرة أعوام من الأن؟
بمناسبة الحديث عن الاعمال والزمن، صادفت هذا الفيديو الرائع عن الوظائف التي سنحتاج إليها بقوة في العشرة أعوام القادمة والتي لها مُستقبل مُهم وباهر: JOBS OF THE FUTURE


بعد مُشاهدة الفيديو، بعض الوظائِف أُحِبُ أن تتطور، ولكن إعداد الطعام مثلا، لا أعتقد ان كل الأطعة ستكون بهذة الجودة من يد روبوت.. بعد كل هذ التقدم مازلنا نشعر بالحنين لطعام جداتِنا المصنوع باليد، والطبيعي 100% من اراضيهم الزراعية البسيطة. رغم حُبي الكبير لآلة النسبرسو وكبسولات القهوة المُتقنة إلا أنني مازلت أتوق الى فنجان القهوة المطحونة يدوياً والمصنوعة في "كنكة" من النُحاس على نار هادئة، أو التي يصنعها لي الشخص المسؤل عن إعداد القهوة في المكتب بطريقته التقليدية الرائعة. 
الدجاج المشوي على الحطب لا يُضاهيه أي شِواء في الفرن الكهربائي مثلاً. الكيك المُعد منزلياً لا يمكن أن يُقارن بالخليط الجاهز الذي يُضاف اليه البيض والحليب ثم إلى الفرن.. 
عملي كمختصة نفسيّة جعلني مع الوقت أُقدّر جودة العِلاقات الإنسانية، والتواصل البصري مع الناس، وسماع أصواتُهم، ولمس أيديهم، والشعور بالإختلاف الرهيب بينهم في مايصنعونه ويفعلونه ويقولونه. ولكن فكرة التنوع السريع والتجديد في الوظائف والمِهن في حد ذاتها ساحِرة.

الجمعة، 20 يوليو 2018

طاقة الصيف


الشهرين الماضيين كانا حافلين.. دخول الصيف يأتي دائما بالحرارة في الحياة والطاقة والحركة المميزة.
ذهبت في رحلة أنثوية مع صديقاتي لمكان لم ازره من قبل في مصر "الساحل الشمالي" وكانت بالنسبة لي تجربة غريبة ولطيفة.. دائما ما أُحب في السفر للأماكن الطبيعية البسيطة ذات الطابع الاصلي للبلد.. 
لكن الساحل الشمال مُختلف، طاقة رفاهية أكثر منه استكشاف. رائع لمن يُريدون الإستجمام والدلال. البحر مميز لم ارى مثله من قبل، زُرقتُهُ غاية في الجمال ومائُهُ نقيّ كالكرستال. إستمعت بالصُحبة والجو المعتدل والصباحات اللطيفة والماء المُنعش والهدوء.
اكتشفت بعد عودتي ان كل الصور تقريباً شخصية لي ولصديقاتي، ولم ألتقط الكثير من الصور الطبيعية التي يمكن وضعُها في المدونة. وهذة ضريبة ان تُسافر مع خمسة صديقات يُحببن الصور لكنك الوحيد الذي يُحب التصوير:)



احتفلت في السابع والعشرين من يونيو بميلاد مدونتي الرابع، هذا اليوم الذي كتبت فيه أول تدوينة صغيرة لا تتجاوز التسعة أسطر، وشاركتها مع العالم. كوخي الجميل الذي يحتويني بعيداً عن ضجيج الدنيا وما فيها، اختبئ فيه وأكتب كلما أردت التعافي من شيئ ما. كلما اردت ان أجد نفسي وأُعبّر عنها بصدق دون رتوش، والعجيب فعلاً أنه كُلما كتبت، كلما شعرت بعقلي يُصبح أصفى، وقلبي يتشافى بكل هدوء، لا اعلم إلى اليوم ماهو السر لكني أُدرك ان الله لم يُقسِم بالقلم من فراغ. فالكِتابة لها اسرارها وحكمتها الخفيّة.
لم أكتب بعد كُلّ ماحلُمت به وأردته، ولم أضع فيها كل ماقرأته وتعلمته، مازال في الأرشيف الكثير من التدوينات التي لم أُكملها بعد، أُخبئها ليومٍ ستظهر فيه كالبجعة الجميلة الزاهية بريشها. 
هناك الكثير من حديث قلبي الذي مازِلتُ مُترددة في عرضه على العالم، وهناك الكثير مما أعتبرُه شخصي جداً ولا أُريد التفريط فيه على الملئ، لكني أعرف انه يوماً ما سيُكتب، وسأُريد للذين يُحبون عالم التدوين أن يُشاركوني مشاعري، ودقات قلبي التي نُقشت على الورق.

الشهر السادس من السنة له معنى مختلف، كأنه الورقة التي تقسم الدفتر لنصفين، وتعني أنك بذلت مجهوداُ رائعاً، ومحاولات ممتازة في الصفحات الماضيه، وأنه حان الوقت لتكون في منتصف الطريق بكل فخر، وكأن السنة تُرحب بي في النصف الثاني منها. والان بعد أن مر مُنتصف الشهر السابع تقريباً ليس لنا إلا ان نستغل الحرارة والشمس القوية في بذل طاقة أعلى لأحلامنا.

من شهر تقريباً اثناء رحلة العودة الطويلة من العمل للمنزل كان الراديو يُذيع هذة الأغنية اللطيفة لعبد الحليم حافظ والتي اسمعها للمرة الأولى ياقلبي ياخالي كلماتها والحانها الرقيقة ضلت ترن في اذني ايام طويلة.

شاهدت ايضاً هذا الشهر الفلم المُلهم 
Gifted Hands The Ben Carson Story 2009
يحكي قصة الطبيب العالمي بين كارسون وقصة حياته وتأثير والدته الرائع على حياته رغم انها كانت لا تستطيع القراءة.. 
انصحكم بمشاهدته سيُفجر الأمل والطاقة في قلوبكم.

صيفكم سعيد ومليئ بالألوان والتجارب الأولى..

السبت، 19 مايو 2018

ميلادي الرمضانيّ



هذة السنة لأول مرة يصادف يوم ميلادي في شهر رمضان، التاسع عشر من مايو لسنة 2018 هو اليوم الثالث من رمضان سنة 1439 .. شعور منعش ولطيف.. اليوم الذي يجدد عمرك، يُنهي فصل ويبدأ الأخر، الفترة التي تشعر فيها انك تخطو بهدوء نحو عالم جديد من نفسك، وتغوص في مشاعرك وافكارك وعاداتك اكثر، يأتي في شهر الطاقات العظيمة والبركة الا مُتناهية من الاله..
هذة السنة قررت ان أجرب العمل في رمضان للمرة الأولى في حياتي، دائما ماكان شهر رمضان أجازة طويلة في المنزل اختلي فيها بنفسي، ولكن لنجرب التعامل مع العالم الخارجي في رمضان ولنرى ماذا سنتعلم؟
اول يوم عمل: ارتفاع مفاجئ في درجات الحرارة، لكن الوضع هادئ في العمل، اكمل فيه كتابي واتناقش مع صديقاتي، اعود للمنزل الممتلئ برائحة الطعام الشهي من إعداد أمي.. والان بعد اللإفطار، أجلس على مكتبي بفنجان قهوة شهي، وأُكمل تدوينتي لأرسل لكم ذبذبات حب لكل من يقرأ أياً كان موقعك في هذا العالم..




مفهوم الصيام بالنسبة لي مختلف، ليس فقط الامتناع عن الاكل ولكن اختبار قدراتي الروحية وتطويرها، والتدرب على الاتصال بالله بدون انقطاع، وتعلم الخلوة مع النفس والتركيز معها حتى وان كنت وسط الناس. وكان هذا التمرين الرائع لتعليم الجسد التحكم في شهواته واستقبال الغذاء السماوي مُلهم لي، واعتقد انه سيساعدكم ايضا، يمكنكم الاستماع له يومياً مرة واحد او اكثر. (تأمل متعة الصيام لدكتور احمد عمارة)



قرأت رواية "شفرة بلال" لأحمد خيري العُمري، بعد ان اقرضتها لي صديقتي واصفةً إيها بالـ "الرائعة"
بداتها بعد عشرين يوماً تقريباً دون أن اعلم مافيها، وبدون ادنى توقعات. ويالسعادتي، الرواية حقاً رائعة وسلِسة بطريقة لم أقرها منذ زمن بعيد .. أُحب فكرة الدمج بين الأزمِنة وربطها ببعضها - تماما كما كانت رواية قواعد العشق الأربعون لألف شافاق -. احببت فكرة ربط قصة سيدنا بِلال الصحابي من القرن السادس الميلادي، بقصة بلال المراهق الأمريكي المولود في القرن الواحد والعشرين. كيف كانت معاناة الشخصيتن مُتشابهة وكيف تمكن الاول من ان يخرج من العبودية إلى ان يُخلد في التاريخ كل هذة القرون فقط بقوة إيمانه بقضيّته، وكيف يتعلم الأخر ببطئ عن هذة القوة الهائلة فقط بسبب فضوله عن سبب تسميته بـ "بلال"
الرواية رقيقة وبسيطة ومليئة بالقيم الجيدة، انصح بها صغار السن لسهولتها، وايضا في السفر لمتعتها ولمن يريد البدأ في إدخال القراءة لجدوله اليومي ولكن بكتب خفيفة الحبكة.

اشعر بالخفّة هذة الفترة، وطاقة الكون من حولي سعيدة ومُبهجة،
اتمنى لكم رمضان سعيد مليئ بالجمال والأتصال النقي برب الكون .


الخميس، 19 أبريل 2018

ابريل .. وجدت الله

"صباح الجمعة 12 ابريل 2018"

اكتب هذة التدوينة قبل شهر من ميلادي السابع والعشرين كهدية إلى قلبي، لانه لا شيئ يملئني بهجة كالسفر والكتابة، وهذا ماتحتوية تدوينة ابريل. 

دائما ماعتقدت ان السفر له تأثير السحر على إلهامي وتصفية ذهني، بعد شهور من العمل الا منقطع قررت السفر مع صديقتي لمدينة مصرية لم أزورها من قبل: الغردقة.
التخطيط للرحلة كان سريعاً قبلها بأسبوع فقط، وكانت من اجمل رحلات حياتي روحياً ونفسياً.. كنت طوال طريق الرحلة صامته اتأمل الصحراء والجبال من حولي والبحر يظهر على يساري يلمع تحت الأشعة البسيطة التي تتسلل من بين السحاب. لم اقرأ الكتب التي جلبتها معي، ولم استمع لكل المحاضرات والأغاني التي جهّزتُها على اجهزتي اللإلكترونية، شعرت انني فقط احتاج للسكون والتأمل والهدوء، ان يصمُت عقلي قليلاً عن البحث والكلام، ويستمتع بالمراقبة.

 "أجنحة الإقامة في الفندق"

كانت الوجهة لفندق Desert Rose Resort وتجدوه ايضاً على موقع Booking. أعتقد انه ألطف فندق زُرته على الإطلاق، مساحات شاسعة من اللون الأخضر والأشجار تُحيط بنا من كل إتجاه، رائحة الأزهار الزاكية تتسللُ إلى أنفي أينما اتجهت، الغُرف بسيطة وحميميّة. الطعام شهي ومطهو بعناية وإتقان. شعرت أنني استمتع بكل خطوة وبكل لحظة وكأنني في عالم أخر.
"الصور التي على موقع الفندق قديمة، فكل الأثاث والديكور ونظام الفندق قد تغير كثيرا واصبح مليئ بالهجة والجمال مثلما سترون في صوري التي التقطها خلال الرحلة، والصور بدون أي تعديل.. من الكاميرا إلى المدونة" 


"تروبيكانا كافية الذي يعزف فيه محمد جبر"

وصلت الغردقة وقت غروب الشمس، وبعد أول عشاء لنا في المكان بدأت مشاعر الرهبة والتغيير تسكُن، وكنا نتجه لغرف النوم بعد يومٍ طويل، ثم سمعنا صوتاً عذباً يأتي من مكان ما، كنا ندور حوله حتى نكتشفه، فوجدنا كافيه صغير موجود داخل الفندق به عازف تشلو يُصدر صوتاً من الجنة فلم نستطع المُقاومة وجلسنا على اقرب طاولة له.. كان يعزف بطاقةٍ جبارة وبإتقان لم أشاهِده من سنين، رغم الضوء الخافت لكننا استطعنا مُلاحظة الابتسامة السعيدة على وجهه وهو يعزف بكل إنسجام لحناً لفيروز "قديش كان في ناس"
بعد ان انتهى شكرناه بصدق. اسمه محمد جبر، وقال انه عازف تشيلو من عشرون عاماً منذ كان في الصف الثاني الإبتدائي. يعمل في دار الأوبرا المصرية، لكنه في عمل حر بسيط في الغردقة قبل زفافه، ولأننا محظوظتين كانت هذة أول ليلة عمل له في الفندق.. تمنينا له النجاح وان يتفوق بموهبته الجبارة لأنه يستحق..
وكانت بفضله اجمل ليالي السنة. 


كنت اتنقل بين الشروق والغروب والبحر والأزهار بلا أي تعب، مليئة بالطاقة والحياة، تنتعش رئتي بالهواء بكل سلالسة، وأكلم الله بكل حب دون حواجز.. الأسماك الملوّنة تتحرك بدلال تحت قدمي، والأطفال من كل الجنسيات التي أستطعت تمييز لُغتها يلعبون ويصرخون بطاقة مرح لا نهائية من حوالي. أخرج يومياً من الغرفة في السابعة صباحاً، اتناول الإفطار وألتقط مئات الصور، ثم أُبدل ملابسي بشيئ أكثر راحة لإكمال اليوم في الشمس والماء.. لأعود بعد الغروب ارتدي ملابس انيقة قليلاً للعشاء وكأنني لم اغرق طول اليوم في الرمل والماء المالح.. 
شعرت بالحُريّة، بالسلام، بالحب.. كأن قدماي لا تُلامس الأرض.. أظنني عرفت السر، انا أحُب الطبيعة، وأعيش أسعد أيامي قرب البحر والأشجار وحتى الصحراء، لا أكون في اجمل اوقاتي وسط المُدن الخانقة، أحياناً انسى كم هي -المدن- مُرهقة، وكم اتناغم بشكل ساحر مع الطبيعة حتى أعود إليها.. 



"غروب السبت 13 ابريل 2018"

في اليوم الأخير استيقظت في الثالثة فجراً إستعداداً لرؤية الشروق، مشيت وحدي اجول الفندق تحت ضوء الفجر الكُحليّ حتى وصلت للبحر، اتأمل بهدوء واتنفس الطهارة وطاقات الصباح الرقيقة حتى خرجت الشمس من قلب البحر ونورها يتدرّج الى قلبي وعيني، استمتع بخلو المكان من حولي وكأن الكون ملكي وحدي. ولم اشعر بالوقت إلا في السابعة حين شعرت بالجوع يُذكّرني بالقهوة الشهية وفطائرهم الطازجة اللذيذة. 
كانت الأفكار العملاقة تنهال على عقلي دون توقف، هل هذا مايحدث حين تُعطي الحرية لقلبك عدداً قليلاً من الأيام؟ هل سيُكافئك بكنوز من السماء لأنك تركت الفطرة تشق طريقها بسلام من قلبك الى بقية حياتك؟ هل هذا ماتكون عليه حياتك حين تستشعر الله في قلبك، تُكلمه وتستخيره وتتعلم منه بلا حدود وبلا مسافات؟
سافرو، فإن السفر يُريُكم الله اكثر مما تتخيلون.


"مدخل الجناح حيث سكنت"


"حمام السباحة للكبار"

"أحد ممرات الفندق"

الأحد، 18 مارس 2018

مارس الاخضر



إشتقت للكِتابة وللتحديق في الشاشة والنقر على لوحة المفاتيح لساعات لترتيب الجُمل، والبحث عن صور مناسبة للمُحتوى، والتنقيب عن إحصائية او دراسة لتدعم الموضوع الذي اكتب عنه.. اشتقت للقراءة المطوّلة في الأدب. الان كل أفكاري تخرج بصوتٍ عالي في الجلسات، أُناقِش بها عُملائي فتطير وتتحرر من لساني فلا تستطيع أصابعي الإمساك بها ووضعها في تدوينة تليق بها.
مهما فعلت فلا تزال الكِتابة هي إسترخائي الأول، والمُحرر الأقوى لشِباك عقلي بلا مُنافس. مُتعتي الأزلية التي مهما أبتعدت عنها تضل في خيالي تهمس لي بخفة كي أعود.
اليوم وصلت مكتبي بخمسةً واربعون دقيقة مُبكِراً عن الوقت الأساسي، رائحة القهوة التي تفوح في المكان، تغيُر درجة الحرارة - من الشتاء الى الصيف فجئة بدون ربيع على الأقل - هدوء المكان ومساحته الواسعة قبل وصول بقية الموظفين. أستغل هذة الدقائق في فتح المدونة وكتابة مشاعري لها.
احياناً تشغيل موسيقى للتركيز في الخلفية يساعد كثرا خصوصاً إذا كانت مليئة بالحركة والطاقة كهذة.

 ما ان يُطل مارس حتى أشعر بأن اللون الأخضر يتفجّر في كُل مكان، تُحاول الأشجار ان تكسي أغصانها بالأخضر الزاهي، وتُحاول روحي الإزدهار معه أيضاً.
هذة الفترة تُعلمني كثيراً عن الحياة، كيف نفعل مانُحب ونستمتع به؟ كيف نتمتع بعلاقة قويّة مع ذواتنا ومع الأخرين؟ مهما تعلمت أجد ان لدي الكثير من المساحات العذراء في قلبي لم استكشفها بعد. المخاوف الغريبة التي حملتها من الطفولة، والغضب الذي يتملكني بلا سبب، العلاقات التي أضع لها حدود صارمة دون سبب مقنع، كُلها الان اكتشفها ببطئ وأُمرر يدي برفق عليها لتتعافى بسلام.
نحن نُهمل أنفُسنا ونُقلل من شأن آلامِنا ولا نُدرِك أن لا أحد يستطيع شفائنا إلا أنفُسنا. 
أي شعور مهما كان صغيراً يمر علينا هو مُحاولة حوار جديّة من القلب تُخبِرُنا عن رغبة في إحترام انفُسنا ومشاعرنا والنظر لها بعين الرئفة والحُب لا بعين الإنشِغال والتجاهل. كُلّ عاطفة هي قصيدة هائلة، تُحاول التواصل مع عقلك الراكض في الحياة بلا تنفّس.

سر السلام الداخلي الأول هو إحترام ذواتنا، أن نتعلم مكانة كل عاطفة واهميتها، ومكانة كل مُعتقد نعتنقُهُ ونمارسُهُ كل يوم دون شعور.هل هو المعتقد الصحيح؟ هل هو الطريق السليم للسعادة ام أنني تبنيتُهُ عن طريق العادة دون ان افكر فيه؟
الهدف من هذة التدوينة ان نُذكّر أنفسنا بإستمرار بأهمية التوقف لدقائق كل يوم لنتنفس بعُمق، ونُعير اجسادنا ومشاعرنا الإنتباه اللازم والإحترام الكبير، والشُكر الجزيل لكُل مجهود يبذلونه في سبيل تحقيق رغبات عقلنا الا نِهائية.
يُمكننا عمل ذلك بالتأمل، والإنترنت مليئ بالاف الفديوهات المُجهّزة للتأمل والأسترخاء بكل اللُغات كهذة "تأمل تزكية النفس
"جلسة تخفيف الضغوط" وغيرها الكثير ..

استمتعو بالتعرف على انفسكم، وتدليل أجسادكم بالهدوء والإبتعاد عن الضوضاء. أنتم تستحقون.

الاثنين، 15 يناير 2018

جمال البدايات




ابتدت سنة 2018 بطريقة مختلفة وأحلام جديدة، مثلما كانت سنة 2017 عجائبيّة تُحلق في كل مكان ..
 تعلمت منذ صغري إستغلال البدايات، كأن جناحان صغيران يخلقهم قلبي فأُحلِق بِهما في كل العام.. إذا فاتتك البداية لا تهرب من الطاقة الحقيقية المُتخزنة في كل الأيام المُقبلة .. كل شهر هو بداية، كل أسبوع وكل ساعة هي بداية، بل كل صباح وكل مساء هو بداية إن أردت.. 

التخطيط يُرهقني، لكني أُحب إستغلال حماس البداية والصفحة الجديدة التي نطويها جميعاً، لكني لا أستمتع بإجبار نفسي على خطط مُحددة، او ظروف مرسومة. أحب الحرية في التحرك بين الأيام، وأحترام إختيارات القدر التي توضع في طريقي.. فابتدعت أُسلوب لطيف خاص بي وهي أن اكتب الأهداف التي أريد العمل عليها خلال العام وماهي الطرق المتاحة امامي التي يمكن أن أستغلها الأن لأصل لما أُريد، وأترك البقية للكون. فأي تجديد يحصل أعتبره فرصة لإستغلاله وتطوير الخطة، جربتها سنة 2017 وكان لها مفعول السحر..
 الشعور بالحرية في وضع الأهداف كان من أهم الأسباب التي كسّرت كل العراقيل الماضية التي كانت تؤخرني عن تحقيق أحلامي.

الحُرية أيضا تتجسد في أن اكون جامحة في الأفكار والحلول التي أريد إستخدامها، تطويع الفضول ليعمل معك وليس ضدك.. لا أُريد حياة أعرف فيها كل الخطوات وكل التفاصيل، أين المُتعة إذن؟ الأفضل هو المشي مع تيار الكون، أن استمتع بكل التغييرات وأشاهد نفسي أمر ببساطة وبتجديد عبر كل الأحداث، وليس التذمر بشأن خططي التي تحتاج للتعديل والتبديل كل يوم بسبب مرونة العالم.

هذة السنة هي عام الإستمتاع باللحظة وتقدير المتاح والتوسع والحرية في كل الخيارات .. عام مليئ بالتجارب المُمتعة وإحترام مشاعري وتقدير قيمة الراحة والعمل ووضع كلٌ منهم في موضعه الصحيح. عام التركيز على ما أُريد وعدم التشتت في مجالات كثيرة، بل توجيه الطاقة في الأهداف الرئيسية لإتاحة الفرصة لقلبي وعقلي ليستمتعا بالكون.
عام تعلّم عادات جديدة بسيطة، لأني أؤمن بأن العادات هي ماتُكوّن حياتنا وشخصيتنا. نشرت مقولة بسيطة عن تتبع العادات على الفيس بوك هنا.
 
2018 ستكون عام الإستعداد للإنطلاق القوي الذي سيحدث بعدها بأذن الله، فكل إنطلاقة يسبقها الكثير من التجهيز والتعلم والمراقبة وتشرّب الخبرات .. ضع نواياك وإسقها بالعمل لتتجسد زهوراً وأشجاراً مُثمرة وزاهية.. 
جعله الله عام مليئ بالفتوحات والكرامات الي تنهمر على كل القلوب المُستعدة لإستقبال الخير. 

الأحد، 22 أكتوبر 2017

سنة أولى عمل


أحتفل اليوم - الثاني والعشرين من أكتوبر- بإكمال سنة في أوّل وظيفة حقيقيّةٍ لي كمُختصّ نفسي. أشعُر بِفخرٍ صغير يقفِزُ داخل قلبي.. مرّ العام كأنهُ طائِر مُحلّق لا حدود له، رُغم ما كان يصحبُه من السهر والتعلّم والسفر والإنشغال الطويل حتى أني نسيتُ الإحتفال بميلاد مدونتي الثالث..
التغيير ليس سهلاً لكنه ليس مُستحيل.. في هذا العمل تعلمتُ المعنى الحقيقي للتغيير الداخلي قبل الخارجي ..
عادات وسلوكيات إحتفظتُ بها لسنوات طويلة وكأنها جُزءٌ مني، لكني إستطعت تركتها أو تبديلها بمحض إرادتي.
أفكار كنت أعتقد أنها تُكوّنُ شخصيّتي وانه من المستحيل التنازل عنها، ولكني بمُحاولات كثيرة - بعضها مُجهد للغاية - إستطعت تعديلها وتغييرها..
هذة السنة كانت المرّة الأولى التي أتعلم فيها معنى الخوف ومعنى الشجاعة، معنى الخطأ ومعنى الإستمتاع بِه، معنى الروتين ومُتعة التغيير .. إنها السنة التي تعلمت فيها ألا أخاف من التجربة الغريبة، وأن أتعلم من أخطائي، وأن أثق في قلبي.. وأن أُعطي لكّل شيئ حقه، لا مزيد من الإجحاف في حق الجوانب الأُخرى لحياتي لمُجرد أنني أُحب عملي.
هذا العمل علمني أن كُلّ البشر لهم قلوبٌ ومشاعِر يُريدون تحريرها، وعليّ فقط أن أُعلمهم أن هذا مُتاح، وأنهُ حقٌ لهم.. وبالفطرة سيستطيعون تخفيف قلوبِهم دون حاجتي..

ملاحظات تمنيت لو أخبرني بها أحد في أول أسبوع عملٍ لي:
- ستُخطئ.. حتى وأن كنت تدرس تخصصك لعشر سنواتٍ .. العمل ليس كالجامعة، فتقبّل أخطائك، ولا تلوم نفسك، وستأتي الخبرة بالمُمارسة.
- لا تستعجل السُلّم، إصعده بالتدريج.. إستمتع بكل مرحلة حتى وأن كانت جحيم في نظرك، إستمتاعك دليل أنك جاهز للمرحلة التالية.. أما رفضك وإنزعاجك دليل أنك لم تتعلم بعد الرسالة المُرسلة لك من المرحلة الحاليّة.
- لا تُقارن نفسك بأحد.. كلٌ له تجربته الخاصة، وأسلوبه الذي يتبعه في النجاح وفي التعلم.. 
- راقب وتعلّم من الجميع. أعظم الدروس نأخذها من أبسط المواقف.
- لا تُكرر نفسك.. كُن نسخة جديدة في وظيفتك وطريقة آدائك. ماذا يُريد الكون من شخصين لهُما نفس العمل في نفس المكان؟
- لا تحشو عقلك بمعلومات كثيرة دفعة واحدة .. إهضم الكتاب أو الكورس الذي تعلمته حتى تتشرّبُهُ تماماً قبل أن تتعلم غيره. لا أهمية لمعلومة يُخزّنُها العقل دون إستيعابها وتطبيقها.
- ليس كل مايفعله زملائك هو بالضروره مُلائمٌ لك، حتى وإن كانو أكثر خِبرةً منك..
- لا تحتاج لِكُل العِلم الذي في الكوكب لتُصبح ذو ثقة في مجالك.. المعلومة الصغيرة إن تم إستيعابها بشكلٍ جيد قادرة على تفجير طاقتك وإبداعك أكثر من مئات الكتب والدورات التي تحفظها دون فهم.
- خذ وقتك في التعلم .. الخبرة لن تطير من النافِذة. تحتاج إلى الصبر لتصقُل مهاراتك، والتسرع يجعلك تخسر الجواهر الصغيرة التي تتدحرجُ بين الأيام.
- إفصل بين حياتك الشخصيّة وعملك.. العمل مُهم لك؟ حسناً، إن لم تتعلم الفصل بينه وبين حياتك الشخصية سيكون صُداع نفسيّ لا نهاية له. 
- كل فترة تعلّم شيئ جديد لا علاقة له بعملك.. إحضر حفلة موسيقيّة، او حصّة لتعلم الطبخ او ركوب الخيل، او حتى أعمال فنيّة بسيطة.. أي شيئ، سيشكرك عقلك وجسدك بعدها.
- لا تستمد قيمتك من العمل .. أنت قيّم بعملك او بدونه، (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ). أنت مُكرّم سواء نجحت أو فشلت، لا تربط قيمتك بعملك مهما حصل..
- مهارات التواصُل والتعامل مع زملائك أهم من معلومات العمل نفسه .. أن تتصرف وتُحاور بذكاء وحكمة سيوصلك لهدفك بسلاسة أكثر مما تتصور. ولتتأكد من أهمية هذة النقطة راقب الناجحين في المكان ستجد لديهم لُغة تواصل مُميزة، وصبر وتركيز عالي.
- إحصل على أجازة خاصة بك كُلّ فترة.. سافر لمكان لم تزُره من قبل بمفردك، واستمتع بصُحبةِ نفسِك.. العمل يُنسينا أحياناً أننا أهم أشخاصٍ لأنفُسِنا، وان رعايتها هي أهم أولوياتنا..
- بمناسبة الأجازة، الأماكن المفتوحة تُحيي عقولنا وأنفسنا.. الحدائق والأنهار والجبال والأماكن الواسعة، وبالطبع البحر، تساعد كثيراً على تقليل التوتر وتُجدد الطاقة.
- إستمتع .. إستمتع .. إستمتع .. تذكّر أننا نعمل لتُصبح حياتُنا أكثر مُتعة وجمالاً.. فلا تجعل عملك يستعبد حياتك ويُذِلها لخِدمته. العمل يجب أن يكون مُمتِعاً، وإن لم تستمتع بالكميّة الكافية خلاله، فعلى الأقل ما بعد ساعاتِ العمل يجب أن يكون مُبهجاً ذو مُتعة وسعادة.



بمناسبة الحديث عن العمل النفسيّ، لستُ صديقةً لبوليود، لكني قرأتُ ترشيح أحد الأطباء النفسيين لفيلم هندي يُدعى Dear Zindagi ،شاهدته من باب الفضول والإستكشاف، وكان رائعاً للغاية..
يحكي الفيلم قِصة فتاة عشرينيّة كُلما أحبت رجُلاً تركته، حتى قابلت مختص نفسي وقررت فتح قلبها..
القصة محبوكة جيداً رغم الإطالة في المشاهِد خصوصاً في الرُبع الأول من الفيلم.. تحليل القصة ورؤية الطبيب كانت مُتقَنة ولها وجهات نظر علميّة صحيحة..
كان مليئاً بالمشاعر والأفكار التي قد تمسّ أي شخصٍ منا، وقد تكون مرّت على عقولنا مِن قبل..كيف تتصالح مع عائلتك، وترى الجانب الأخر لمخاوفك.. كيف تتعامل مع الذكريات القديمة المليئة بالألم..
لكُلّ شيئٍ عِلاج، ولِكُلّ مُشكلة حل..

الخميس، 31 أغسطس 2017

علم اللوجستكس Logistics


كنت أتحدث مع أحد عُملائي عن الجانب المهني الخاص به فقال لي انه مُتخصص في مجال اللوجستكس "logstics"، استقبلت الكلِمة لثواني ولم أجد في عقلي أي ترجمة لها، فطلبتُ منه ان يشرحها لي، فقال بأبتسامة عريضة: دائما ما يُخبرني الناس بهذا السؤال..
شرح لي ان هذا هو العلم المسؤول عن نقل البضائع وتسليمها للمُستهلك، وايضاً إسترجاعها لإعادة تصنيعها عندما نتخلّص منها. العلم المسؤول عن حركة المُنتج مُنذ تحويله من مادة خام في المصنع إلى مُنتج قابل للإستخدام، إلى أن يصل ليديك.
كنت مُندهشة للغاية، لم أكن أتخيل أن هناك وجود لعلمٍ كهذا.. كيف لم أفكر من قبل في التخصص الجامعي الذي درسوه موظفين شركة فِيدكس مثلا؟ أو شركة DHL ؟ تخيلو هذة الكميّة المهولة من المُنتجات والبضائع التي تصلُنا يومياً من كافة أنحاء العالم بالطائرات والشاحنات والسُفن العِملاقة، ورائها أشخاص درسو في تخصُصات جامعيّة كاملة ومتفرّدة فقط في هذا العمل. كيف سيكون الوضع إذا لم يكن لهذا النقل مُنظّمين مسؤولين عن كل جرام فيه؟
كيف ستكون الحياة إذا لم يكن النقل بهذة السلاسة التي نراها الان؟ هل كان سيبدو كما كان أيام السُفن الشِراعية التي تعود بعد شهور وربما سنوات بالبضائع؟
لم أكن أعي قوة النقل المهولة التي تُسيطر على حياتنا، بل في كل شيئ أستعمله الان هناك موظف بمثل تخصص عميلي، ساعد في يومٍ ما في إيصاله إلىّ بسلاسة.. 
اليوم الذي اشتريت فيه الكاميرا عن طريق الإنترنت، كيف وصلتني في ثلاثة أيام تقريباً وهي قادمة من اليابان.. اليوم الذي طلبت فيه مُنتجات طبية وتجميليّة من موقع Iherb من أمريكا وصلتني في أقل من اسبوع إلى باب المنزل، لم أخطو نحولها خطوةً واحدة، بل كل شيئ بلوحة مفاتيح الابتوب..
كل هذا المجهود من بداية التصنيع إلى النقل والتوصيل تابَعَهُ أشخاص درسو هذا التخصص.
العالم غني بالعلوم التي لم نسمع عنها من قبل، وبالمجالات الساحِرة التي نستخدمها يومياً دون أن ندرى بوجودها أساساً.. نحن نُقدّس مانراه بأعيُننا فقط، ولا نُدرِك ضخامة المجهود المبذول من وراء السِتار، ليس لأنه خفيّ، بل لأن أماكن عمله لا تتطلب إحتكاك مُباشر بالمستهلكين.

مُتعة التعلم عن الوظائف والمجالات المختلفة لا يُساويها مُتعة، أن تتعرف على مايُحبه الناس وما يُفضلونه، ومايقضون أيامهم وسنينهم في التدرب عليه وإنجازه والنجاح فيه.. كُلها تُخبرك أن العالم أوسع مما يُمكن أن تستوعب. لا تترددو في سؤال أي شخص تُقابلوه عن عمله ودراسته ومايُفضِلُ أن يفعله في هواياته مثلاً..
عميلي قدِم إليّ لإستشارة نفسيّة، وخرج ولم يُدرك حجم الإلهام الضخم الذي تركه لي، والمعرفة الجديدة التي فتحت آفاقي إلى عالمٍ أوسع..
أنا ممُتنه له.. وممتنّة لأغسطس أن مر بعد أن ترك كل هذا الجمال في قلبي.
سأحكي لكم عن بعض ما حدث في هذا الشهر العظيم في تدوينات قادمة بأذن الله.
عيدُكم أجمل وأنقى وقلوبُكم أسعد في نعيم الله.

الجمعة، 21 يوليو 2017

السعادة من أعلى



اعيش هذة الفترة في مبنى طويل من مباني القاهرة .. اسكن الدور الحادي عشر، كل ليلة تُصبح الدنيا أمامي كمدينة ألعاب ضخمة، من أعلى يمكن أن نرى على مد البصر أنوار الشُقق والشوارع والسيارات تتلئلئ وتومض وتخفت بزهوّ.
اكتب هذة التدوينة الان وانا أقضي مساء الجمعة امام النافِذة العملاقة في غرفة المعيشة، الستائر مفتوحة على أخِرها، وتتبختر أمامي الشمس وهي تغرب برِقّة، وتعكس نوافذ الشُقق الأُخرى نورها فيبدو أن أمامي شمسان تغرُبان.. أرى طائرة كبيرة تمر، ولقُرب مسكني من المطار تكون الطائرات ضخمة للغاية حين تُحلق فوق المنزل..
اتأمل الشُرفات في البيوت المُقابِلة، سيدة تنشر الملابس المغسولة لتتمتع بنور الشمس وحرارتها، أُخرى تقف بطفلها يُشاهد الكون ويستكشفة بعينه الصغيرة، نافذة أُخرى مفتوحة ويظهر داخلها مكاتب بشاشات كمبيوتر متعددة، يبدو أنه مكتب عمل صغير لشركة مبتدئة مثلاً.. 
في الأسفل يمر شاب بكلب ذو شعرٍ أسود غزير من فصيلة "جيرمن شيبرد" يتمشيان في الهواء الطلق ويستمتعان بدفئ الغروب. نافذة أُخرى يُطل منها زرع منزلي أخضر رائع يخطف الأنظار..
المُدن دائماً ما كانت خانقة بالنسبةِ لي، بإستثناء أن أعيش وأنظر إليها من الأعلى.. من فوق تبدو كل الحواجز صغيرة، أشعر أنني أُحلق كطير حُرّ لا حدود له.
 
شددت الستائر الشفافة لتمنحني بعض الخصوصية بينما أكتب.. أُفكر الان في أن الكون في غاية الجمال.. نحن من نختار أن نرى الإبداع فيه، ونحن من نختار أن نُخرِج هذا الجمال من داخِلنا .. فكوب شاي بالنعناع ونافِذة واسعة، ويوم أجازة لطيف، كفيل بتفجير كل السعادة والراحة في قلبي دون أدنى مجهود كما يحدث معي الان.